ميرزا محمد حسن الآشتياني
219
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
في المشتبهين بالشبهة المحصورة فيما كانا مسبوقين بالطهارة أو يحكم بجريانهما وتساقطهما والرجوع إلى الاحتياط على الوجهين مع كونهما من الأصل الوجودي فإذا أريد الحكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي للماء المشكوك كريّته مع العلم بعدم كريّته سابقا لم يفرّق فيه بين أن يحكم به من جهة استصحاب القلّة بناء على كونها وجوديّا أو استصحاب عدم الكريّة كما أنّه لا يفرق فيما أريد الحكم بعدم وجوب الاجتناب عنه فيما فرض الماء مسبوقا بالكريّة بين أن تسند إلى استصحاب الكريّة أو أصالة عدم أخذ ما يوجب نقصه عن الكريّة نعم هنا شبهة في بعض الصغريات والجزئيات من حيث إن الحكم الشرعي المترتّب على مجرى الأصل العدمي الجاري فيه هل هو مترتّب أوّلا وبالذات أو بواسطة أمر غير شرعي وهو طلب آخر لا تعلّق له بما ذكرنا من الكليتين مثلا قد يتوهّم أنّ وجوب الحجّ المترتّب على أصالة البراءة عن الدين من القسم الثاني وأنه نظير استصحاب بقاء الرطوبة في الذبابة الملاقية للثوب أو البدن أو غيرهما الذي لا يقتضي الحكم بتنجّسها من حيث ترتّب الحكم الشرعي على تأثّر الملاقى بالفتح لا على مجرّد ملاقاته مع الجسم الرطب النجس أو المتنجّس أو أصالة عدم المانع في محلّ الغسل والوضوء من حيث ترتّب الحكم الشرعي على إيصال الماء بالبشرة أو أصالة عدم المانع من وصول السّهم المرسل إلى الصيد أو الإنسان الثابتة بها التذكية أو القتل فيما لو علم بتحقّقهما على تقدير عدم المانع وهكذا فيقال في مثال الحجّ إن الحكم مترتّب على المستطيع فإذا أريد إثبات وجوب الحج بأصالة عدم الدين والبراءة عنه فلا بدّ أوّلا من إثبات الاستطاعة ثم وجوب الحج وهو ما ذكر من كونه من القسم الثاني ويلحق به ما لو كان الشكّ في وجوب الحج على من كان له مال يكفيه للحج مسبّبا من الشكّ في موانع أخر غير الدين فإنه لا يترتّب ابتداء على عدم الموانع بل إنما يترتّب عليه بعد إثبات موضوع الاستطاعة بنفيها ولو بالأصل هذا ولكنك خبير بفساد التوهّم المذكور ووضوح الفرق بين النظائر والمقام فإنه إذا فرض كون الشكّ في وجوب الحج بعد وجدان المقدار الوافي من المال مسبّبا عن الشك في الدين لم يكن معنى لحكم الشارع بعدم الالتفات إلى احتمال الدين لا جعل وجوب الحجّ على المكلّف ولو في مرحلة الظاهر وهكذا إذا كان وجوبه مسبّبا عن احتمال موانع أخر غير الدين فإنه لا معنى لعدم الاعتناء باحتمالها إلا البناء على وجوب الحجّ فالمقام نظير ما لو كان الشكّ في بقاء الطهارة في المتطهّر مسبّبا عن وجود الرافع لها أو كان بقاء التغيير في الماء مسبّبا عن احتمال الرافع الشرعيّ له وهكذا فإنه لا معنى لحكم الشارع بعدم الاعتناء باحتمال الرافع للطهارة أو التغيّر إلّا البناء على ترتيب أحكامهما عند الشكّ فإنّه في معنى الحكم ببقاء الطهارة أو التغيّر شرعا باستصحابهما بل قد يقال بعدم جريان الاستصحاب الوجودي في أمثال المقام من حيث كون الشكّ في مستصحبه مسبّبا عن الشكّ في مستصحب الاستصحاب العدمي وإن قيل بتعيّن جريان الاستصحاب الوجودي نظرا إلى ما عرفت من التوهّم وسيجيء تحقيق القول في ذلك وتفصيله في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى وهذا بخلاف النظائر فإن حكم الشارع ببقاء الرطوبة على الذبابة من جهة عمومات الاستصحاب لا يجدي شرعا إلّا فيما يترتّب شرعا على نفس الرطوبة لا على تأثير الملاقي وهكذا إلّا فيما فرض كون الواسطة خفيّة كاستصحاب عدم المانع في محلّ الغسل والوضوء وهذا بخلاف أصالة عدم المانع عن وصول السهم المرميّ فإنه لا يثبت بها القتل أو التذكية يقينا لوضوح الواسطة وكون الحكم متعلّقا بها ( نعم ) هنا توهّم آخر في خصوص أصالة البراءة من حيث إنّ مقتضاها الحكم بعدم العقاب ليس إلّا وإن لم يترتّب عليه حكم شرعيّ أصلا وإن كان فاسدا عند التأمّل من حيث إن المانع من وجوب الحج هو فعليّة خطاب الدين المنفيّة بأصالة البراءة لا مجرّد شأنيّته فتدبّر هذا وإن شئت قلت في دفع الإشكال المتقدّم وعدم كون أصالة البراءة عن الدين وأمثالها من الأصول المثبتة إن الأصل الجاري في موضوع الحكم الشرعي أو جزئه أو شرطه أو مانعة بعد إحراز سائر ما له دخل فيه لا تعلّق له بالأصول المثبتة أصلا فإن معنى الأصل الموضوعي الراجع إلى جعل حكم الموضوع شرعا في مرحلة الظاهر ليس إجراء الأصل في تمام الموضوع كيف وغالب الاستصحابات الموضوعيّة من الوجوديّة والعدميّة كاستصحاب الكريّة والعدالة والقلّة والطهارة والإطلاق والإضافة وغير ذلك يجري في قيد من قيود الموضوع ( نعم ) لو لم يجر الأصل في موضوع الحكم أصلا بل أريد من إجرائه في مفهوم كلّي وجودي أو عدمي تطبيقه على الموضوع الخارجي الجزئي أو الكلّي كان من الأصول المثبتة سواء كان وجوديّا كاستصحاب بقاء الكرّ في المحلّ الذي أريد به إثبات كرية الماء واستصحاب بقاء الوقت فيما كان مردّدا شرعا الذي يراد به إثبات كونه الزائد على المقدار المتيقّن أو عدميّا كاستصحاب عدم تحقق المانع الذي أريد به إثبات عدم مانعيّة الموجود المردّد وليكن هذا في ذكر منك لينفعك فيما بعد إن شاء الله تعالى فقد ظهر مما ذكرنا كلّه أن الحكم بوجوب الاجتناب عن الماء ونجاسته فيما كان مسبوقا بعدم الكريّة عند ملاقاته للنجس باستصحاب عدم الكريّة ممّا لا مناص عنه أصلا وإن أمكن فيه استصحاب القلّة أيضا على تقدير إناطة الانفعال بها وكونها أمرا وجوديّا ضدّ الكريّة ولا يعارضه استصحاب طهارة الماء من حيث كون الشك فيها مسبّبا عن الشكّ في حصول الكريّة كما أنه لا يعارض أصل البراءة عن الدين بأصل البراءة عن وجوب الحجّ من حيث كون الشكّ في وجوبه مسبّبا عن الشكّ في اشتغال الذمّة بالدين هذا على القول بحكومة الأصل الحاكم على المحكوم وعدم التعارض بينهما أصلا كما هو الحق وعليه المشهور كما ستقف على تفصيل القول فيه في باب الاستصحاب ظاهر لا سترة فيه وأمّا على القول بالعمل بهما كلّ في مورده على ما زعمه المحقّق القمّي قدس سره فاللازم الحكم بطهارة الماء وعدم وجوب الحجّ في المثال إلّا أنّه لم يلتزم بمقتضى الأصل الذي بنى عليه في مثال الحجّ والتزم بوجوبه من جهة